محمد بن الطيب الباقلاني
230
إعجاز القرآن
بذلك حدتهما ، وسرعة حركتهما ، واحساسهما بالصوت ، كما يحس الورق بحفيف الريح ، وظاهر التشبيه غير واقع ، وإذا ضمن ما ذكرنا من المعنى كان المعنى حسنا ، ولكن لا يدل عليه اللفظ ، وإنما يجرى مجرى المضمن . وليس هذا البيت برائق اللفظ ، ولا مشاكل فيه لطبعه ، غير ( 1 ) قوله : " متوجس برقيقتين " ، فإن هذا القدر هو حسن ( 2 ) . وأما البيت الثالث ، فقد ذكرنا فيما مضى من الكتاب أنه من باب الاستطراد ( 3 ) ونقلنا نظائر ذلك من قول أبى تمام وغيره ، وقطعة أبى تمام في نهاية الحسن في هذا المعنى . / والذي وقع للبحتري في هذا البيت عندي ( 4 ) ليس بجيد في لفظ ولا معنى ، وهو بيت وحش جدا ، قد صار قذى في عين هذه القصيدة ، بل وخزا فيها ووبالا عليها ، قد كدر صفاءها ، وأذهب بهاءها وماءها ، وطمس بظلمته سناءها . وما وجه مدح الفرس بأنه لا يعاف قذى من المياه إذا وردها ؟ ! كأنه أراد أن يسلك مسلك بشار في قوله : * ولا يشرب الماء إلا بدم ( 5 ) * وإذا كان لهذا الباب مجانبا ، وعن هذا السمت بعيدا ، فهلا وصفها بعزة الشرب ؟ كما وصفها المتنبي في قوله : وصول إلى المستصعبات بخيله * فلو كان قرن الشمس ماء لا وردا ( 6 ) وهلا ( 7 ) سلك في مسلك القائل : وإني للماء الذي شابه القذى * إذا كثرت وراده لعيوف ؟ ! ( 8 )
--> ( 1 ) م : " ثم قوله " ( 2 ) م : " الحسن " ( 3 ) راجع ص 129 ( 4 ) سقطت هذه الكملة من م ( 5 ) صدره : " فتى لا يبيت على دمنة " ( 6 ) ديوانه 1 / 187 من قصيدة يمدح بها سيف الدولة ( 7 ) م : " وهذا " ( 8 ) غير منسوب في زهر الآداب 2 / 194 وفيه : " للماء المخالط للقذى "